لا تتهموا الضحية.. عاقبوا المجرم وامنعوا الجريمة
18/06/2021 [ 15:53 ]

سمعنا كلنا ، بقلوب يعتصرها الألم والغضب ، نبأ مقتل الشابة الحامل استبرق سليمان بركة من خانيونس في قطاع غزة ، على يد زوجها الذي ضربها وعذبها حتى الموت .

وبعد ذلك بساعات كان هناك نبأ  مقتل الشابة الطالبة الجامعية الأردنية رانيا العبادي على يد والدها وأخوها  بعد تعذيبها بسبب تدني علاماتها في الجامعة  !

ثم جاء نبأ مقتل شابة على يد شقيقها في قطاع غزة أيضاً .

هؤلاء هن شهيدات المجتمع وشهيدات القانون والجهاز القضائي .  
إن المجتمع الذي ينتج أزواجاً يؤمنون أنهم يمتلكون الزوجة كما يمتلكون الكرسي ، ولهم الحق أن يفعلوا فيها ما يشاءون ، هو مجتمع يجب أن يراجع نفسه وأفكاره وتربيته لأبنائه وأولوياته . هذا الزوج ليس مجرماً فقط بل يمثل قسماً كبيراً من المجرمين في مجتمعنا الذين رباهم المجتمع على الذكورية  و" الفحولية "  وأن من حقهم " تربية " وضرب نسائهم  وبناتهم  ، وأنهم هم الآمر الناهي ويتحكمون ليس فقط بجسد المرأة بل بروحها ومشاعرها أيضاً . والأدهى من كل ذلك أن القانون يساعدهم أحياناً ، ويحميهم أحياناً أخرى ، ومعظم ملفات شكاوى العنف في العائلة يتم إغلاقها . نحن مجتمع يلزمنا مستشفى اجتماعي ، يل غرفة عمليات وعناية مركزة .

أقول ذلك لأنه حال كتابتي لمنشور على صفحتي في الفيسبوك بعد قتل المرحومة استبرق  ، علق على المنشور شخصان يبرران القتل بل يلقيان اللوم على النساء !

كتب أحدهما :

"  في الحقيقة من ربى هذا ال الرجل امرأة جاهلة أساءت له .... النساء مصانع الرجال...وصناعة الرجل ليست بالولادة بل في التربية ...ثم إن النساء لا يحركن ساكناً في  البلد ...يتم اقتيادهن كما القطيع.. وقد يكن سبب الكثير من مآسينا.. لا اعرف لماذا يقبلن أن يكن أقل من الذكور.".

وكتب آخر :

 " الحقيقة يحق للرجل تربية زوجته اذا عصت الله وفعلت فعلاً غير اسلامي والحقيقة الثانية انو المجتمع الغربي بضحك عليكم كثير والحقيقة الثالثة انو الاب هو الراعي لعائلته ولكن أن كان الاب مريض نفسيآ فلا عتب عليه وأن كانت زوجته مريضة لا عتب أيضآ حقيقة الحياة انو معظم نسوان اليوم بالعامية كلحن يعني اتفرعنن وصار لازمهن ترباية من اهلهن والمسؤوليين عنهن ولكن حدث ولا حرج حدث ولا أحد يهتم لحديثك وكلامك قبل ما نحكي عن الناس ليش هيك عملوه خلينا نفهم السبب احسن بكون ".

وهذا هو حالنا . الأول  يضع اللوم على الضحية . ترك المجرم الحقيقي وألقى بتبعات الجريمة على أمه التي ربته ! هل يعتقد الأخ أن أمه ربته على الجريمة ؟! هل تريد الأم لابنها أن يسجن مدى الحياة أو يتم إعدامه ؟ !  لا . الذي  ربى هذا الرجل على الجريمة والذكورية هو المجتمع وثقافة المجتمع وعاداته ، وليست أمه .

والثاني  يضع اللوم على النساء عامة ! فالرجال لا دخل لهم ، والمجرم لا دخل له  !

أكتب هذا الكلام لأنني أعرف أن مثل هذه الآراء ليست أقلية نادرة في مجتمعنا بل هي منتشرة ، وهناك من يروج لها تحت غطاء الوعظ ، وهناك حتى من النساء أحياناً من يعتقد بها نتيجة لهذا الترويج .

وطبعاً يجب التوضيح: لا علاقة للدين الإسلامي بهذه الأفكار. فالدين يحمي المرأة كما يحمي كل نفس بريئة ، فما بالك بالأم ؟  والدين، طبعاً ، لا يجيز القتل  ، لا قتل النساء ولا قتل الرجال . ولكن هناك من يستخدم الدين غطاء لأفكاره المنحرفة عن الدين ويكيف الدين لأفكاره المنحرفة  .

إن للمجتمع، والإعلام ، والجهاز القضائي والديني  دور مهم في مهمة القضاء على هذه الظاهرة . فالمجتمع يتعامل مع هذه الجرائم " بلطف "  وبتفهم  وبالصمت و" لفلة الطابق " و " بلاش فضيحة " و "بلاش نكبرها " و" أبصر شو فيه" و" مفيش دخان بدون نار " والى آخر الحجج والذرائع . كما أن عادة " لجان الصلح " ودفع " الدية " يساهمان في إضفاء الشرعية على  مثل هذه الجرائم والتشجيع على ارتكابها .

أما الإعلام ، إعلامنا الفلسطيني ، فإنه يشارك جزئياً أحياناً في الصمت ، وأحياناً أخرى في تجنب النقاش في هذه المواضيع إما لاعتبارات مثل " أمور عائلية " وإما لأن الشرطة تطلب التكتم لأسبابها الخاصة ، وإما خوفاً من ردة الفعل لدى البعض وخاصة من جهة المجرم .

الجهاز القضائي أيضاً هو أحد أهم المتهمين في هذه القضية،  وذلك من حيث الأحكام المخففة والتحجج بالحفاظ على العائلة وعلى " النسيج الاجتماعي "  وما إلى ذلك .

وقد يكون للإعلام والجهاز القضائي تفسيرات  وذرائع ، لكن النتيجة العملية هي أن الجرائم تتخذ شرعية اجتماعية ويعرف المجرم أن العقاب لن يكون شديداً وأنه سيخرج منها إما بدفع دية أو " صلحة"  أو واسطة من اولاد الحلال أو المتنفذين وأولي الإمر من الحمولة أو القبيلة أو ال ....

بقي أن نذكر تقصير الوعاظ والأئمة والجهاز الديني في نشر الأحكام الصحيحة والتربية الصحيحة للإسلام في هذه القضايا، وحث الناس على التعامل بلطف وبإيمان قوي بدينهم الحنيف .

نحن لا نصبو أن نكون مجتمعاً غربياً ، ولنا خصوصيتنا . لا بأس أن ننظر للمجتمعات المتقدمة ( ولا أقول أن الجريمة اختفت من هناك ) ، ولكن هناك حدود اجتماعية وتربوية وقانونية يجب وضعها واتباعها لنكون مجتمعاً صالحاً متآخياً وسليماً .

لا تتهموا الضحية، من فضلكم !

عاقبوا المجرم وامنعوا الجريمة القادمة فقد تكون ابنة أو حفيدة أحدكم في المستقبل.

Link Page: http://www.watan.ps/ar/Details/70976