البعد القومي الغائب في تفسير الصراع الأمريكي الروسي الصيني
07/05/2021 [ 10:37 ]

انتهاء الحرب الباردة في التسعينيات من القرن المنصرم بشكل غير متوقع على الإطلاق، أي دون قطرة دماء ولا تحرك لآلة عسكرية؛ قد أثار حيرة كبيرة لدى علماء العلاقات الدولية والعلوم السياسية بشأن تفسير ذلك. أعقاب انتهاء الحرب الباردة مباشرة تفجرت صراعات عرقية وقومية داخلية في أغلبها كثيرة، فاقمت بدورها من حيرة هؤلاء العلماء.

ظهرت بعد انتهاء الحرب الباردة منظورات فكرية أشهرها ما يسمى المنظور البنائي حاولت إيجاد تفسير لذلك. خرج المنظور البنائي على وجه الخصوص باستنتاج مؤداه أن ما يحرك التعاون والصراع في النظام الدولي هو البعد الأيديولوجي أو الفكري الذى يتم تأسيسه اجتماعياً. وليس البعد المادي ومضامين القوة والنفوذ والهيمنة كما رسخته ما يسمى المنظورات الوضعية في العلاقات الدولية وأشهرها على الإطلاق المنظور الواقعي. بل ان البعد المادي في حد ذاته ومضامينه الكثيرة يتم تحديده وبناؤه في سياقات البعد الأيديولوجي ومضامينه الكثيرة أيضا كالقومية والثقافة والانتماء والتاريخ والهوية.

استنادا إلى المنظور البنائي استقر لدينا بأن انهيار الاتحاد السوفيتي كان نتاجا مباشرا لضعف الانتماء للمنظومة الاشتراكية وتطلع شعوبه للتحرر منها والحلم بالنموذج الليبرالي الغربي والرفاهية الاقتصادية. إذن فالبعد الأيديولوجي قد أدى إلى انهيار الاتحاد من داخله دون حرب عسكرية كبرى بين واشنطن وموسكو. وعلى نفس المنوال أيضا، تفجر الحروب والصراعات القومية كحرب البلقان وحرب كوسوفو في بعد انهيار الاتحاد كان مردها الأساسي الأبعاد العرقية والهوية والدينية وليست حروبا على أراض ونفوذ وقوة في حد ذاتها. تأسيس حلف الناتو في حد ذاته يحمل بعدا هوياتيا صارخا إذ هو تحالف مجموعة الدول الغربية المسيحية - العلمانية بالأساس. الإرهاب الدولي أيضا لن نستطيع إسقاط البعد الأيديولوجي بشأن تكوينه وتوسعه، إذ محركه الأساسي منظومة الأفكار الراديكالية المشتركة التي تجمع أعضاءها عبر قارات العالم المختلفة.

انفردت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بزعامة النظام الدولي كقوة واحدة عظمى في النظام الدولي. ورغم الضعف الشديد الذي كانت عليه كل من روسيا والصين حينئذ. ومع ذلك، ظلت الولايات المتحدة متخوفة بشأن نوايا كليهما وتحديدا محاولة إعادة دورهما في النظام الدولي كدول كبرى مناهضة للهيمنة الأمريكية.

سعت الولايات المتحدة بشتى الطرق لاحتواء كلتا الدولتين. فبصدد روسيا عملت واشنطن على المزيد من إضعافها عبر توسيع حلف الناتو على أطرافها وضم أعضاء من محيطها الإقليمي إلى الاتحاد الأوروبي. كما حاولت أيضا إقناع روسيا بالانضمام إلى حلف الناتو أو تحويلها كأي دولة أوروبية تابعة للمنظومة الغربية. تعنت روسيا "المسيحية" على مدار عقد تقريبا في الانزواء والذوبان في المنظومة الغربية "المسيحية/ العلمانية" حتى مجيء بوتين القوى في الألفية الجديدة، لا تفسير له إلا من خلال سطوة البعد القومي على عقول النخب الروسية وقطاع عريض جدا من الروس. إذ لا تزال تلك النخب والشعوب ترى في روسيا دولة عظمى وتستحق مكانة ريادية في أوروبا بل الهيمنة على أوروبا، ومكانة رائدة في النظام الدولي تضاهى به مكانة واشنطن.

أما بصدد الصين، فقد تخيلت واشنطن أنها قادرة على تحويل الصين إلى يابان أو سنغافورة أخرى في آسيا عندما تخلت الصين عن سياسة العزلة والانغلاق لماو تسى تونج وتبنت الانفتاح الاقتصادي الليبرالي، أي دول تابعة للمنظومة الغربية الليبرالية. لذلك، دعمت الصين اقتصاديا وضمتها إلى منظمة التجارة العالمية وحولت معظم صناعاتها واستثماراتها هناك. ما كان من محصلة إلا تقوية الصين اقتصاديا إلى حدودها القصوى وتحولها رويدا رويدا إلى قوى مهيمنة في آسيا تتطلع إلى زعامة النظام الدولي وتنافس بشراسة واشنطن بل وتتحدى قيمها ومؤسساتها الاقتصادية ودورها العسكري في آسيا. وعلى غرار روسيا، ما من تفسير من ذلك إلا البعد القومي ومضامينه الكثيرة كالبعد التاريخي والثقافي المهيمن على النخب الصينية الحاكمة ومعظم الصينيين. على اعتبار أن الصين حضارة تاريخية حكمت آسيا في لحظة تاريخية، ولديها قيمها وثقافها وهويتها التاريخية المتميزة وتستحق الريادة على آسيا بل والعالم كله.

وصول زعماء قوميين أقوياء كبوتين في روسيا وشى جين بينج في الصين قد أعاد تأجيج الأبعاد القومية بشكل كبير لدى شعوبهما. فكلاهما لديهما تطلعات بعودة ودور قوى إقليمي ودولي. وكلاهما أيضا يحظى بشعبية واسعة حقيقية وساحقة، على عكس ما يصور الإعلام الغربي على وجه التحديد.

في هذه اللحظة الراهنة، يقف العالم على أعتاب صراعين ساخنين جدا: الأول - التصعيد بين روسيا وأوكرانيا. والتصعيد بين الصين والولايات المتحدة في الباسيفيك وإن كان يدور بشكل أكثر هدوءًا. وواقع الأمر فكلا التصعيدين هو صراع أمريكي- روسي- صيني بالأساس. فالتصعيد الروسي- الأوكراني كاشف جدا للبعد الأيديولوجي والقومي الحاكم لعقلية روسيا والغرب على السواء، فهو صراع على أدوار ومكانة وهيمنة بين قوة "روسيا" ترى في نفسها قوة كبرى مستقلة عن الغرب ويدعم اغلب الشعب الروسي ذلك. وبين قوة أخرى "الولايات المتحدة" ترى في قيمها ونموذجها الحضاري الأفضل الذى يجب أن يسود أوروبا. وبين شعب منقسم "الشعب الأوكراني" بين هويتين شرقية وغربية.

وعلى نفس المنوال أيضا، الصين التي تتطلع بفضل منظومة قيمها الخاصة إلى ريادة النظام الدولي وتقويض دور الولايات المتحدة في النظام الدولي.

ما يمكن الخلوص إليه، أن البعد القومي سيظل طاغيا وحاكما للصراع الأمريكي الروسي الصيني. كل يرى في نفسه الأجدر بالزعامة الدولية بفضل تميزه القومي، وما من صراع جزئي أو طرفي بينهما تجارى أو اقتصادي أو عسكري إلا وهناك بعد قومي يشكله ويحركه. ولمزيد من توضيح ذلك، لماذا ترتبط الولايات المتحدة بعلاقات وثيقة جدا مع إنجلترا الإمبراطورية السابقة، ولماذا لا تتحدى الأخيرة دور واشنطن في النظام الدولي، ببساطة شديدة جدا بسبب غياب البعد القومي الأيديولوجي عن المعادلة.

Link Page: http://www.watan.ps/ar/Details/69894