الاربعاء 28/يونيو/2021مالساعة 04:09(القدس)

  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • يوتيوب Youtube
  • قوقل + Google
  • أر أر أس Rss
  • سكايبي Skype
صحيفة الوطن الفلسطينية

الحرب لا زالت تأكلني ولا تبرح أجوائي

تاريخ النشر: 27/05/2021 [ 07:24 ]
  • انشر الخبر عبر:
نسرين موسى

واهمة جداً حين اعتقدت أنني سأستعيد الأغنيات بعد ترانيم الحزن التي سربتها الحرب التي كانت على موعد مع غزة إلى روحي.
حتى بعد انتهاءها لازلت أغني أغنيات الغضب، ولا زال أزيز غول طائراتها يحتل أذني بعد أن تركت سماءنا.
لا زالت تأكلني ولا تبرح أجوائي لحظة.
ملعونة دثرت كل جميل في داخلي.
كان يومي بقمة الجمال أذكره جيدا يوم 12 مايو قبل عيد الفطر بيوم واحد واَخر يوم في رمضان، جهزت ملابسي والحلوى وكل شيء كان يحتفي في داخلي، وكنت ككل عيد اتوق لأسمع أغنية يا ليلة العيد اَنستينا وانتظرها بفارغ الصبر ،لأنني لا أستمع إليها في أيامي العادية وانتظرها فهي تشعرني بالعيد بحق.
على غفلة استمعت إلى ضربات صاروخية من طائرات الاحتلال الإسرائيلي على برجنا السكني، وقفت في مكاني، نطقت الشهادتين هرعت مسرعة حتى وجدت الباب ، لا أعلم إلى أين ألملم نفسي مع زوجي وعائلتنا وبقية الناس .
لم أدرك هل أنا بمكان اَمن إلا بعد أن غاب صوت أزيز الموت من فوقنا.
ركام..
أعلنت الحرب بزوغها مع شمس عيدنا تحول كل شيء إلى ركام أمامنا ،جرحى وشهداء عددوا أسماءهم ،ردموا البيوت على الأحياء.
زركشوا عيدنا بالدماء والخوف والهلع.
غادر أطفالنا إلى السماء بملابس العيد.
كل شيء في قطاع غزة يختلف، تُجهز بيتك لفرحة العيد وتزين جدرانه وتقوم بتجديد دهانه حتى تستقبل المهنئين، لكن مخططاتك تتغير ويتحول الزوار من التهنئة إلى التعزية..
هل تعتقدون أنهم عاقبونا لأننا إرهابيين؟ والله لم نكن إرهابيين حين قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي برجنا السكني في غزة بعد تناولنا آخر سحور لآخر أيام شهر رمضان...
كنت أسأل زوجي أي قميص وبنطلون أختار له حتى يرتديه في أول أيام عيد الفطر الذي حل علينا يوم الدمار.
حلّ علينا ونحن مشردين في بيت آخر لأننا تركنا بيتنا خلفنا في البرج المدمر بصواريخ العدو.
لم نكن إرهابيين قط، كنت قد اشتريت صينية جديدة وفناجين قهوة جديدة وتيرموس قهوة جديد وأخرجتهم الليلة التي سبقت القصف حتى أستقبل الضيوف الذين سيأتون على عجالة لصلة الرحم ، لكني تركتهم خلفي في سكون بعدما دمروا برجنا السكني.
هذا كنا ما نعده ، لم نكن نعد ونتحدث عن خطط إجرامية ضد العدو، كانت كل مخططاتنا كيف نستقبل عيد الفطر بعد صيام شهر رمضان..
كنا نهيئ نفسياتنا للفرح .
كنا سنصور كعك العيد والشوكلاتة.
كنا نهيئ أنفسنا لتناول طبق الفسيخ كما عاداتنا في قطاع غزة كل عيد.
كنا نعد الأسماء من أرحامنا حتى نعطيهم العيديات.
كنت أجهز نفسي لأزور عائلتي ثالث أيام العيد لكني جلست في بيت غير بيتنا ولا أستطيع التحرك مسافة شارع آخر بسبب صوت طائرات الاحتلال المرعب الذي يخطف الأرواح كل دقيقة.
حتى حين غادرنا برجنا السكني لم يكن معنا سكاكين وصواريخ وقنابل ، كل ما كان بأيادينا شنطة يوجد بها قطع ملابس قليلة لنرتديها في البيت الذي شردونا إليه.
حتى أني هرعت مسرعة عائدة إلى شقتنا حين القصف كنت قد نسيت اَخذ شيئا معي.
هل تعلمون ما هذا الشيء؟
ليس أداة حادة أو قنبلة أو صاروخا كالذي ألقاه العدو على برجنا السكني ودمروه
عدت حتى آخذ ألبوم صور عرسي الذي تناثرت عليه غبار القصف من نافذة غرفة نومنا .
هذا كل ما كان معي شنطة ملابس وكحلة عين وألبوم صور حينما هرعنا من الموت من قصف تلو الآخر..
استقبلت عيدي بعيون منتفخة لأنني لم أغمض بسبب الرعب من قصفهم لمدينتنا.
استقبلته برداء الصلاة.
هل تعلمون حقيقة هذا الرداء؟ لا يرتبط بالتدين كما يشاع وليس له علاقة بقوة الإيمان
حين ننام نرتديه وحين نستحم وحين نطبخ حتى ونحن نغني لو مللنا من السكون.
السر فيه لأن عدونا غير إنسانيا ينسف البيوت والأبراج دون تنبيه ودون تحذير .
حينها يكون الرداء الذي يحمينا لو داهمنا العدو على غرة، ويبدو ان مصممه صممه خصيصا لنساء غزة وقت الحرب.
انتهت الحرب بعد 11 يوماً.
اصطبغت روحي بأجوائها، لا أعلم هل تبلدت أم ماذا ، أو لا أظن أنها تبلدت لأنها تحن كل حين إلى حياة طبيعية فيها النوم الطبيعي، والاستحمام دون عجالة، وشرب القهوة ، والموسيقى والمزاح والرحلات والسهر وقصص مسلية تخلو من رائحة القذائف.
مُشبعة تماما بالحرب والخوف حتى بعد انتهاءها.
أضحك وأحزن في نفس الوقت يكفي أنهم اغتالوا فرحتي بأجواء العيد.
الحرب أنستني المواعيد وبأي الأيام أنا ..
لم تتبلد روحي ولكنها تحنطت !
شوق...
اشتقت لليل الذي كان يسبق الحرب .
للذكريات البعيدة عن جسدها الصغير اَنذاك، الذي كان يرتجف وهي توجه نظرها نحو السماء وكأنها تحدد اتجاه الطائرات حسب أزيزها ، خوفا من صاروخ تلقيه يخطئ هدفه ويصيبها.
وبصوتها المرتجف قالت: عمو عندك أندومي ؟
اغتالت الطائرات جسدها قبل أن يجيبها ، وبقى الأندومي متناثرا شاهدا على براءتها!.
تبعثرت ذاكرتي وتداخلت الأحداث .
خرجت بعد ان هدأت الطائرات حتى أجلب ما قد نسيته من ملابسي وقت قصف برجنا رأيت كل الشوارع موحشة وركام المنازل تنبعث منها رائحة الموت.
تساءلت: هل يدرك العالم الظالم الذي يدعي الإنسانية ، أن الانتقال من الصالة إلى غرفة النوم التي تبعد عنه مسافة نظرة واحدة تمثل خطر على حياتنا، وقد يدركنا الموت من صواريخ الاحتلال الإسرائيلي التي لا تغادر سماءنا؟
كيف لو أردنا الانتقال من شارع إلى شارع؟
من يوقف حقدا أسود اَنذاك وهللت بصمت وين الملايين، وضحكت سيتبرعون لنا بالأكفان!
أصبحت لا أتأمل الغروب لأنه ارتبط بالخوف والهلع والقلق بسبب اشتداد القصف الإسرائيلي المسعور على المنشآت والبيوت السكنية.
حتى الشروق لم يعد يؤنسني مع فيروز والقهوة وأصبح يعني آنذاك الانتقال من تربيعة جلستي على الأرض إلى تصلب عمودي الفقري على الكرسي.
كانت صدمة..
صحوت في مخيلتي على صراخ عروس الشهيد أحمد المصري كانت تستعد معه حتى يسمعان اعلان المفتي لظهور قمر العيد، ويهرولان لعجن حناء عرسهما ويخضبون أيادي معازيم فرحهما ، فإذا بهم يعلنون اسمه بأنه سيكون قمر شوال المنتظر .
صرخت وصممت أن تعجنها وتستقبله لتخضب أصابعه كما كان يريد .
بقى الأمر كما كان وحضر الكل وغنوا له سبل العيون ومد ايده يحنوله، وزفوه دون رقص وحراك على وقع دموع الوداع .
الكل نام إلا هي لأنها تعودت أن تغفو على صوت غزله بأنها ستكون أجمل عروس بفستانها الأبيض الذي إختاره معها وكان سيزفها به ثاني يوم العيد.
مؤكدا اتفقا معا على أنغام الموسيقى التي ستزفهما والرقصة التي سيرقصانها سويا في عرسهما.
زفوه وحيدا على أنغام صراخها المكبوت المبحوح.
جاء الصباح على الأمهات بدون مناغاة أطفالهن الذين فارقوهن إلى الأبد ، ولوحن بأياديهن باستجداء إلى السماء حتى تحنو عليهم في غيابهن.
فقدن كلمة صباح الخير من أبناءهن الشباب الذين كانوا يبدأون الصباح بمزحة تبسط قلوبهن فيصير يومهن جميلاً.
صباح العروس في غزة بات موحشا دون رسالة عريسها الصوتية بأنها صباحه الجميل، وعليها أن تستيقظ ليحادثها ويغازلها ويبدأ يومه، واستيقظت وبدأ يومها دون وجهه ونهضت تتجهز لاستقباله آخر استقبال دون زينتها التي اعتادها ، لأنه سيكون مسجيا لا حراك.
بيوت وشوارع ومساجد أصبحت حزينة خالية من أرواح كانت تعبقها بالفرح والمزاح وحتى الشكوى من هموم الحياة.
ملابس العيد ملقاة على أسِرة غادرها أصحابها واستبدلوها برداء الوداع الأبيض..
ألعاب تناثرت هنا وهناك تحن إلى أيادي صغيرة لوحت بالفراق.
صباح مختلف موشح بمسك دماء الشهداء وحلم الأمهات أن يطبعن حين سلام الوداع قبلة على جباههم الباردة تعيد لهم الحياة فتعود حياتهن .
عادت الحياة باردة بموت الشغف لكل شيء
دون ان أكذب خرجت غزة من مطحنة الحرب عجوز شاب شعرها، محياها حزينة مجعدة، صوتها يئن بلا صدى ،تتوق إلى حضن عميق يعيد نبض شريانها ويحييها.
ولا أنسى تحسباً لحروب أخرى عليكم الانسلاخ عن الأشياء التي تحبونها حتى حينما تضطرون لمغادرتها لا تحزنون ولا تتألمون عند فراقها.
في غزة ليس من حقنا حب الأشياء ومعانقتها.

» اقرأ ايضاً

تعليقات الموقع
تعليقات الفيسبوك
» التعليقـات
عدد التعليقات: 0
» هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
الوطن الآن