الاثنين 30/مارس/2020مالساعة 14:12(القدس)

  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • يوتيوب Youtube
  • قوقل + Google
  • أر أر أس Rss
  • سكايبي Skype
صحيفة الوطن الفلسطينية

التعايش في أمة المهاجرين

تاريخ النشر: 24/02/2020 [ 13:47 ]
  • انشر الخبر عبر:
الدكتور ناجي صادق شرّاب

زعزعة، تفسخ، انقسام، كلها باتت مصطلحات تستخدم لتوصيف حالة الأمة الأمريكية. وبقراءة للتطورات السياسية الداخلية، فإن الولايات المتحدة تعاني تحدي وحدة الروح التي تفاخر الأمريكيون دائماً بأنها أهم وأعظم إنجازاتهم، باعتبارهم أمة من المهاجرين، وأن البيئة السياسية الأمريكية أقرب إلى بيئة انصهار لكل من يأتي إليها.

هذا الانصهار عبرت عنه مارثا نوسباوم، فى كتابها «التعصب الديني الجديد: مخرج من سياسة الخوف»، بالانتماء القومي من خلال المثل السياسية العليا، ومشروع سياسي مشترك. هذه الروح تتعرض اليوم للكثير من التحديات والمشاكل التي تعمل على تفكيكها، وإحداث الفرقة الداخلية، وإثارة نزعات دفنت في قلب هذه الأرض، ولتبرز نزعات من الشعبوية، والعنصرية البيضاء.
فمنذ أن تولى الرئيس ترامب السلطة وروح الأمة الأمريكية تعاني مخاطر الانقسام، والتحول من أمة المهاجرين إلى مهاجرين من أمم كثيرة.

ترامب ومن أجل الفوز، أدخل الولايات المتحدة في نفق سياسي لا يمكن التنبؤ بنهايته.. هل هو الخروج، أم الاندفاع نحو الهاوية؟ والهاوية كما رأينا التهديد بالحرب الأهلية التي عانتها الولايات المتحدة ما بين 1860إلى 1865، وراح ضحيتها 800 ألف قتيل، وأضعافهم من الجرحى. هذه الصورة ما زالت ماثلة في عقل كل مواطن أمريكي. ويرد البعض على هذا التخوف بأن في الولايات المتحدة حكومة فيدرالية قوية، ولها دستور ملزم، ومؤسسات تفوق سيطرة وهيمنة الشخصانية، والفردانية، التي يروج لها الرئيس ترامب. ولكن مع الخطاب الشعبوي العنصري الذي يروج له ترامب، كسلاح في وجه الديمقراطيين، فإن مخاطر الانقسام تتزايد مع بروز عشرات المليشيات المسلحة التي لا تقبل بالسلطة الفيدرالية، وتهدد باللجوء إلى السلاح. وقد ذهبت بعض الميليشيات، مثل «المحافظون على العهد»، إلى دعوة أعضائها إلى الاستعداد لحرب أهلية، كما جرى عام 1859، والتهديد بالتعبئة العامة إذا ما أمرها ترامب.


ولا شك في أن أمريكا تعيش كثيراً من مظاهر الانقسام، ومنها هجومه على المهاجرين، والتضييق عليهم، وعلى بعض أعضاء مجلس النواب، بسبب لونهم، أو دينهم. 
ترامب يعمل على استعادة روح الاستعلاء العنصرية، ويعتمد على قاعدته الشعبية التي ترى أنه منزه عن الخطأ، ولا يمكن أن يرتكب أي مخالفات قانونية، وأنه يعمل من أجل الرجل الأبيض أولاً.
ومن الصور التي توضح كيف أن هذه الروح تتعرض لحالة من الزعزعة هي ارتفاع نسبة الجريمة والقتل، حتى في الجامعات، والمدارس، وتعرّض دور العبادة لمزيد من التهديدات.

إن خطر هذا الانقسام أنه يغوص في أعماق هذه الروح لينزع منها كل مكونات وحدتها، ويدعو، ولو بخطاب ليس مباشراً، إلى سيادة فئة واحدة، على كل شرائح المجتمع الأمريكي، ويعيد صوراً كثيرة من الكراهية بين أفراد المجتمع الأمريكي، ويقسمهم ما بين بيض، وسود، ومهاجرين.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن منظومة القيم الديمقراطية التي قامت عليها روح الأمة الأمريكية معرّضة للخطر، والتفسخ، والتراجع، وهي التي كانت ترى في الولايات المتحدة أرض الأحلام التي يتمنى كل إنسان في العالم أن يعيش عليها. والصورة الأخرى للتفسخ، تتمثل في الصراع بين المؤسسات السياسية، وتراجع نظام الكوابح، والجوامح، الذي وفر قدراً كبيراً من التوازن والاستقرار بين المؤسسات، وحال دون تغوّل إحداها على الأخرى، خصوصاً تغوّل السلطة التنفيذية التي يمارسها الرئيس ترامب في وجه منتقديه، ومنافسيه.


ولعل الصورة الأخيرة التي رأيناها في أعقاب خطاب الاتحاد الثالث، كيف تجاهل وتغاضى عن مصافحة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، وهو الذي يمثل إرادة الشعب الأمريكي، وكيف كان ردّها بتمزيق هذا الخطاب. هذه الصورة تجسد مدى الخطورة التي وصلت إليها روح الأمة الأمريكية الواحدة. وهي التي وفرت للولايات المتحدة مقومات أن تكون القوة العالمية الأكبر.

ولعل فقدان الولايات المتحدة هذه المكانة العالمية التي تقود العالم ستكون عبر تفسخ هذه الروح، والنموذج السوفييتي ليس بعيداً، وإن كان النموذج الأمريكي يبقى يملك من عناصر القوة الكثير التي تحول دون تراجع الأمة.

ويبقى أن الاختبار الكبير سوف يكون في الانتخابات الرئاسية القادمة.

*استاذ علوم سياسية - غزة

كلمات مفتاحية:

» اقرأ ايضاً

تعليقات الموقع
تعليقات الفيسبوك
» التعليقـات
عدد التعليقات: 0
» هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
الوطن الآن