الجمعة 17/يناير/2020مالساعة 23:48(القدس)

  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • يوتيوب Youtube
  • قوقل + Google
  • أر أر أس Rss
  • سكايبي Skype
صحيفة الوطن الفلسطينية

يولَد جميع الناس أحراراً ومُتساوين في الكرامة والحقوق

تاريخ النشر: 11/12/2019 [ 15:26 ]
  • انشر الخبر عبر:
ليلى عورتاني

ماجستير ديمقراطية وحقوق إنسان

إنّ الخطاب الحقوقي موجود على الساحة الفلسطينية منذ زمن طويل، وقبل انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة كدولةٍ غير عضو بصفة مراقب، إلا أن طبيعة النقاش الحقوقي المعتادين عليه هو الخطاب المتعلق بحقنا في مقاومة الاحتلال والسعي نحو التحرر، وسنجد أنّ نسبةً لا بأس بها من مجتمعنا الفلسطيني تعي وتعلم، بحكم الخبرة، المفاهيم القانونية المتعلقة بشرعية النضال الفلسطيني نحو التحرر وقانونيته، وعدم شرعية الانتهاكات الممنهجة المخالفة للقانون الدولي الإنساني التي يرتكبها الاحتلال بحقنا بشكلٍ يومي.

لكن، لو تتبعنا طريقة طرح الخطاب الحقوقي بعد الانضمام حديث العهد إلى الأُمم المتحدة والاتفاقيات العديدة التي التزمت بها دولة فلسطين، فسنجد أنّ مفاهيم حقوق الإنسان التي يتم طرحها هي غاية في التخصص والتعقيد إذا أخذناها من منحى قانوني بحت، والإنسان العادي غير المتخصص سيجد صعوبةً كبيرةً في أن يفهم الخطاب القانوني المستند للاتفاقيات الدولية والقانون المحلي، والتزامات دولة فلسطين بعد الانضمام. وإنّ اغتراب المواطن عن هذه المفاهيم قد يدفعه إلى تجنب الحديث فيها، ومن المحتمل أن يرفضها لأنه سمع عنها معلومات متناقضة ومتحيزة من مصادر غير متخصصة، مثلما حدث مع اتفاقية "سيداو" التي أثارت جدلاً واسعاً بين الرفض والإدانة والاتهام.

توجد مشاهدات عدة تؤشر إلى عدم فهم واضح بإلزامية اتفاقيات حقوق الإنسان، وأنها ليست خاضعة لاستفتاءات وجدالات، وهي ليست انتقائيةً بحيث نختار بنوداً ونرفض أُخرى! الحقيقة الجميلة والُمشرّفة التي يجب أن ندركها جميعنا أنّ اتفاقيات حقوق الإنسان التي انضمت إليها دولتنا أصبحت تشكل التزاماً قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً، وهي واجبة التطبيق، ولا يوجد مجال للانتقائية وازدواجية المعايير، وهي بمجملها تهدف إلى العدالة وصون حقوق المواطنين وحمايتهم جميعهم من دون استثناء، وأن الخيار الوحيد المُتاح هو تطبيقها وترسيخها وتضمينها بالقانون المحلي، ولا يوجد مجال للرجوع إلى الوراء وهدم هذه الإنجازات والعودة الى ما قبل الانضمام.

لو بسّطنا الحديث والمفاهيم، فسنجد أنّ منظومة حقوق الإنسان مجتمعةً تتلخص في المادة الأُولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي: " يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء".

إن الكرامة والعدالة والمساواة حاجات إنسانية لصيقة، بل سأدّعي أنها فطرة إنسانية قبل أن تكون منظومة تشريعية، وأن سعي الإنسان ونضاله نحو تحقيقها لا يتوقف ولا ينتهي، وهي موجودة منذ نشوء البشرية، أي قبل نشوء الأديان والدول والمؤسسات الدولية. حتى الأطفال الصغار يمتلكون هذه الفطرة، ويدافعون عنها بطرقٍ بسيطة، فهم يعترضون على التمييز الحاصل بينهم وبين إخوتهم، ويطالبون بالمساواة والعدالة، ويبكون إذا وبّخناهم أو ضربناهم، وهذا ما يُسمى الكرامة، بالتأكيد تتفاوت الطرق من إنسانٍ إلى آخر في الدفاع عن هذه المفاهيم الأساسية، لكن بالمجمل هي حاجات تجمعنا كبشر.

إلا أن طرح هذه المفاهيم العادلة من منحى قانوني بحت يُشعر المواطن بالارتباك، وقد يتولد لديه الشعور بأنّ هذه القضايا المعقّدة لا تخصه ولا تعنيه، أو قد تتشكل لديه حالة ممانعة ورفض بسبب آراء مسبقة وغير صحيحة سمعها من هنا وهناك! وقد تصل الممانعة إلى درجة رفض بعض ضحايا الانتهاكات لهذه الحقوق أو التنازل عنها مثلما يحدث مع العديد من النساء. كما أنّ اقتصار النقاشات والعمل والتخطيط والحشد والمناصرة في قضايا حقوق الإنسان على فئات معينة (خبراء القانون وحقوق الإنسان، الصحافيين، السياسيين، الأكاديميين والمثقفين) يجعل منها قضايا نخبوية لا تثير اهتمام فئات كثيرة في مجتمعنا.

إن تقليص الفجوة في الخطاب الحقوقي ضروري جداً لضمان انخراط المواطنين في عملية التغيير والمساعدة في إحداثها ودعمها عن قناعة، لأنها في نهاية المطاف تصب في المصلحة العامة وتضمن حقوق الفئات المهمشة والمعنفة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الإعاقة، وهؤلاء قد لا يجدون من يُدافع عن حقوقهم بالقوة نفسها التي يتم فيها الدفاع عن حقوق فئاتٍ أُخرى.

ربما آن الأوان لوضع خطة عملٍ متكاملةٍ ومستمرة، وعلى أوسع نطاق، لتبسيط مفاهيم حقوق الإنسان، وإطلاق برامج توعوية مرئية ومسموعة باللغة العامية لأنه من حق المواطن أن يفهم حقوقه وواجباته كي يتمكن من الدفاع عنها، كما من المهم ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في البيت والمدارس منذ الصغر، وعند الوصول إلى هذه المرحلة من الوعي والدعم المجتمعي ستترسخ ثقافة حقوق الإنسان بشكلٍ سليمٍ ومتوازن، وذلك بالتوازي مع الجهود الرسمية المبذولة في عملية توفير الحماية والإصلاح القانوني، حيث جرى مؤخراً رفع سن الزواج إلى 18 سنة، ويجري العمل على إقرار قانون حماية الأُسرة من العنف.

وفي اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أؤكد أنّ مسؤولية إرساء منظومة حقوقٍ محترمةٍ للجميع يجب أن لا تقتصر على نخبٍ وفئاتٍ محددة، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من محيطنا الصغير وتمتد إلى أروقة المجتمع والدولة. فالمواطن هو المجتمع، وهو المستفيد، وهو المتضرر إذا لم يتم إرساء منظومة حقوق سلمية، وإن دولة فلسطين التي نحلم بها ونسعى إلى تجسيدها هي فلسطين الحرة الآمنة لنا جميعاً نساءً وأطفالاً ورجالاً، ولن نقبل بأقل من ذلك، وهذا يستدعي منا العمل معاً بإرادةٍ مجتمعةٍ وموحدةٍ في القضايا الحقوقية والإنسانية، لكي نبني وطناً آمناً يليق بنا، وطناً ينعم بالأمن والحرية والكرامة والعدالة والمساواة.

وكل عام وجميع البشر بألف خير، بغض النظر عن أجناسهم وأديانهم وجنسياتهم وألوانهم.

» اقرأ ايضاً

تعليقات الموقع
تعليقات الفيسبوك
» التعليقـات
عدد التعليقات: 0
» هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
الوطن الآن