الاربعاء 21/أغسطس/2019مالساعة 09:38(القدس)

  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • يوتيوب Youtube
  • قوقل + Google
  • أر أر أس Rss
  • سكايبي Skype
صحيفة الوطن الفلسطينية

عندما تدفع "فتح" ثمن انحيازها للعشيرة

تاريخ النشر: 11/09/2016 [ 08:13 ]
  • انشر الخبر عبر:
د. مجدي جميل شقورة

يعتبر الحزب السياسي أرقى تعبير عن مسيرة المدنية في المجتمعات الإنسانية، ويعد بمثابة الضمانة الأساسية لنهضة وتطور المجتمع المدني، الذي هو نقيض أساسي لمجتمع العشيرة والقبيلة والعصبة والفصيل، وتعد الانتخابات بمثابة الوسيلة الأهم والأكثر عدالة التي استقر عليها الضمير البشري لغايات تداول السلطة ومنح المواطن الحق في اختيار ممثليه في الهيئات المنتخبة، وكل محاولات الالتفاف على الإرادة العامة لم تفلح في انتقاء بديلٍ مناسبٍ عن فكرة الانتخابات كتعبيرٍ حي ومباشر وصريح عن انحياز المجتمع لقيم الديمقراطية في تناول الشأن العام وطرق إدارته.

          ينتمي الشعب الفلسطيني إلى مجتمعات المنطقة العربية، وهو جزءٌ أصيلٌ منها، وهي مجتمعات تُعلي شأن القبيلة على حساب أي اعتبار آخر، وترتهن لها في كل ما يتعلق بمسارات عيشها، ولا فكاك من الالتزام بمعطيات العشيرة تحت أي ظرف، لكن واقع الحال في فلسطين، مع ظروف التيه والتشرد واللجوء، وظروف الاحتلال والقهر اليومي ومعاناة مشروع التحرر الوطني بكل معطياته وتفاصيله التي تأخذ طابع اللورغاريتمات في العملية الرياضية، ظهرت مع هذا النوع من المتغيرات فصائل للعمل الوطني، أزاحت جانباً سطوة القبيلة لمصلحة البعد الثوري في العملية الكفاحية، وظهرت مؤشرات أخرى ينبغي التوقف عندها في رسم معالم العلاقة بين الفرد والتنظيم، وبين التنظيم والوطن، فتقدم قادةٌ عظامٌ الصفوف، وتبوأوا مراتب ما كان لهم أن يصلوا إليها ضمن سلطان القبيلة، ونالوا ما يستحقون من التكريم بفضل عطائهم وإمكاناتهم، وقدرتهم على الفعل الخلّاق والإبداع الكفاحي.

          عبرت حركة فتح، على مدى سنوات عمرها الكفاحي، عن حالة استثنائية في المسيرة الوطنية الفلسطينية، جمعت في ثناياها المثقف والعامل والفلاح، والمتدين والعلماني واليساري والتقدمي، وصهرت المسلم والمسيحي واليهودي من أبناء فلسطين في بوتقة مشروع البحث عن الوطن السليب، وهو أمرٌ أتاح لها أن تتصدر المشهد السياسي الفلسطيني بعد أقل من أربعة أعوام على انطلاقتها، ولكنها ومع تأسيس السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاقية أوسلو، اندفعت مجدداً لتكريم القبيلة، وهو أمرٌ محمود، لكنها واصلت الاندفاع لدرجة الارتهان لمحددات العلاقة التي تفرضها القبيلة، فأصبح الموقع الحكومي والموقع الوجاهي والموقع التنظيمي رهينٌ بهذا العامل، وهو عامل خطير وله أبعاده القاتلة في المسيرة التنظيمية، وحتى الهيئات والأطر المختلفة، وجدت فتح نفسها تنتظر مباركة القبيلة وموافقتها قبل أن تخوض غمارها، بشكلٍ ضيّع على الكثيرين فرصة أن يُظهروا قدرتهم على الإبداع الذي تقتله روح العشيرة التي تجاوزت بسلطتها على فتح كل منطق وكل معادلة صياغة مستقبلٍ لتنظيمٍ كرّس جل وقته وماله وطاقته من أجل دمج الكل الفلسطيني في معركة التحرير، ولا نستنثني في هذه المقاربة باقي التنظيمات، حتى "التقدمية" منها، فهي كذلك أعلت القبيلة على حساب كادرها المتقدم، وفضّلت "رضا الأصوات" على "صوت الضمير".

          في فترة التحضيرات لإعداد قوائمها التي ستمثلها في انتخابات الهيئات المحلية، سارعت فتح إلى نقاشات جانبية تناولت الكيفية التي ستوزع بها "جلد الدب"، وبدأت بميكانيزمات صعبة ومعقدة مخاضاً لإظهار قوائمها على أنها تمثل الكل الفتحاوي، من جلسات استمزاج آراء كوادرها في المناطق، مروراً بلجان اسنادٍ محليةٍ في كل مركز انتخابي، وصولاً إلى لجان الأقاليم، وليس انتهاءً بلجان عليا للاشراف على الانتخابات في المحافظات، ثم جهات القرار في الهيئة القيادية العليا في قطاع غزة واللجنة المركزية للحركة، ومن خلف كل هؤلاء مجموعات عمل تضم أفراداً من أجهزة أمنية ولجان تنظيمية، لكلٍ منها اهتماماته وخياراته ورؤاه التي تعبر عن فلسفته في العمل، لكن روح القبيلة بقيت حاضرة على كل طاولة بحث، لدرجة أن الجميع تجاهل "الهفوات القانونية" التي يمكن الوقوع فيها، لمصلحة الهم الأكبر المتمثل في "ارضاء القبائل"، كل هذا كان يحدث وعين الخصم على "الدب" الذي لا ينبغي أصلاً اصطياده، فما بالك بتوزيع جلده، وهذا ما حدث، لنجد أن هذه "الهفوات" تبرر للقضاة شطب قوائم بسبب "فاتورة مياه" أو "تبديل عنوان" أو "امتلاك منزلين" أو "العمل بالقطعة في بلدية" أو "عدم اكتمال اجراءات التقاعد"، وغيرها من المبررات التي ما كان لها أن تحرم الناخبين من الحق في اختيار ممثليهم، وما كان لها أن تفسد روح التنافس التي كان الجميع يأمل أن تتم على قاعدة المواجهة أمام الصندق وليس المواجهة في كواليس محكمة.

          الغريب أن فتح كحركة عملاقة، لها تاريخها ووزنها، ولديها كادرها وكفاءاتها، تتداعى أمام ثقل العشيرة، على الرغم أنها كانت مدعوّة بقوة إلى مغادرة هذا المربع المؤذي في العمل العام، بعد تجربة انتخابات دفعت فيها كل الأثمان في العام 2006، وبعدها خسرت غزة كلها، والأهم أن كل عشائر غزة ذاقت مرارة الانقسام، وكانت مطالبة أن تنتصر للوطن ولفتح، لا أن تنتصر لذاتها، لكنها أصرت على هذا في ظل قبولٍ واقرار أشبه بالتواطؤ من قبل قيادات في فتح، كان تنظر بعينٍ إلى انتخابات البلديات، وبعينين مفتوحتين على انتخابات المجلس التشريعي وانتخابات المؤتمر الحركي السابع المنتظر انعقاده.

          انحازت فتح من جديد للعشيرة، ودفعت الثمن من جديد، وكأنها بذلك تقول للجميع أنها تصر على تكرار أخطائها، ولا تتعلم من دروس الماضي، وتركت المهنيين والكفاءات الأكاديمية والقدرات الشابة الفذة جانباً، وانكفأت على العشيرة كي ترضيها، على الرغم من أن الكل الفتحاوي كان ينبغي أن يتصرف كنسيجٍ وحده في مواجهة منافس صعب المراس ويمتلك كل أدوات الفعل والتأثير، لكن فتح قالتها مجدداً، أنها مستعدة لكل خسارات الكون ولا تخسر عقلية القبيلة التي تمارس بطشها بحق حركة كان ينبغي لها أن تكون قبيلة الفلسطينيين وقبلتهم.

باحث في الشؤون الفلسطينية

» اقرأ ايضاً

تعليقات الموقع
تعليقات الفيسبوك
» التعليقـات
عدد التعليقات: 0
» هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
الوطن الآن